Nexus Engineering Systems • Coordination • Clarity
Nexus Engineering Systems • Coordination • Clarity

المستوى التالي من نضج البيم (BIM): الذكاء الاصطناعي، الوكلاء الذكيون، وفجوة الحوكمة

مقدمة: دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى قطاع البناء والتشييد (AEC)

تتركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي في قطاع البناء والتشييد (AEC) ونمذجة معلومات البناء (BIM) على تسريع الحلول: تسريع اكتشاف التعارضات، تسريع استخراج الكميات، وتسريع التنبؤات الزمنية للمشروع. هذه التحسينات مهمة بلا شك؛ فهي توفر الوقت وتقلل من الأعمال المتكررة مع تحسين الرؤية وتقليل حالة عدم اليقين.

لكنها لا تعالج التحول الأعمق. التحول الحقيقي ليس في السرعة، بل في إعادة التوزيع الجذري لصلاحيات اتخاذ القرار داخل حلقات التنسيق الهندسي.

في بيئة العمل المعتمدة بالكامل على العنصر البشري، يمكن اكتشاف التعارض بسرعة، لكن حله يعتمد على عمليات التسليم اليدوية. يقوم شخص ما بتحليل المشكلة، تقييم تأثيرها، ثم اتخاذ القرار بشأن قبول التغيير من عدمه. ولأن توثيق أسباب اتخاذ القرار غالباً ما يكون غير متسق، تصبح سلسلة الاعتمادات بطيئة، عُرضة للتناقضات، وتعتمد بشكل كبير على الخبرة الفردية بدلاً من البيانات الموحدة.

وهذا هو بالضبط المكان الذي تكمن فيه السيطرة الفعلية على المشروع.

مع تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents)، سيتجاوز دورهم مجرد الاكتشاف البسيط، ليبدأوا بشكل متزايد في اقتراح التغييرات، محاكاة العواقب المحتملة، والتوصية بإجراءات تشمل تخصصات متعددة.

في تلك المرحلة، لن يكون السؤال هو ما إذا كان القطاع يمتلك أدوات أكثر ذكاءً، بل سيصبح السؤال: أي وكيل ذكي مُصرح له بالتصرف حيال أي نتيجة، وتحت أي إطار حوكمة؟


التنسيق الهندسي كان دائماً مشكلة حوكمة

في بيئات المشاريع عالية الضغط، نادراً ما تكون المشكلة هي نقص المعلومات. المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية انتقال القرارات، ومن المُصرح له باتخاذها، وماذا يحدث عندما تتجاوز التداعيات حدود التخصصات المختلفة.

حتى اليوم، غالباً ما تحدث إخفاقات التنسيق وفق تسلسل مألوف:

  • دخول تغيير بسيط في التصميم أو المشتريات في مرحلة متأخرة.
  • يقوم أحد التخصصات بحله محلياً (على مستوى تخصصه فقط).
  • تتوالى التأثيرات اللاحقة (Downstream impacts) وتتراكم لاحقاً.
  • يتحمل التكلفة أو الجدول الزمني عواقب هذا التغيير.
  • لا أحد يستطيع تتبع اللحظة الدقيقة التي أصبح فيها هذا التغيير البسيط تحولاً جذرياً.

يدور الخطاب الأساسي عموماً حول فجوة الحوكمة. منحت نمذجة معلومات البناء (BIM) القطاع نموذجاً مشتركاً. وحسّنت منصات التنسيق من الرؤية الشاملة، كما عززت أنظمة تتبع المشكلات من التواصل.

لكن لا تزال معظم الفرق تعتمد على التقدير البشري لتحديد متى يتحول “تغيير في النموذج” إلى “تغيير في المشروع”. يمكن إدارة هذا التمييز عندما يكون البشر هم صُناع القرار النشطين الوحيدين، مع وجود تسلسلات توثيق ملموسة. لكنه يصبح غير مستقر عندما يبدأ وكلاء ذكاء اصطناعي متعددون في المشاركة داخل نفس الحلقة.


ما الذي يتغير في بيئة مدعومة بالوكلاء الأذكياء؟

لنفترض سيناريو تنسيق واقعي:

  • يقوم المُورّد بتحديث أبعاد وحدة معالجة الهواء (AHU).
  • يتلقى وكيل المشتريات (Procurement Agent) البيانات المُعدلة.
  • يقترح وكيل التخطيط المكاني (Layout Agent) إزاحة بمقدار 400 ملم للحفاظ على مساحات الخلوص المطلوبة.
  • يقوم وكيل التوجيه (Routing Agent) بتعديل مسارات الأنابيب المجاورة.
  • يُسجل وكيل التكلفة (Cost Agent) زيادة في العمالة المطلوبة.
  • يحدد وكيل الجدولة (Schedule Agent) التأثير على تسلسل الأعمال.
  • يكتشف الوكيل الإنشائي (Structural Agent) الحاجة إلى إعادة ضبط نقاط التثبيت (Anchors).

يمكن أن يحدث كل هذا بشكل غير متزامن وبالتوازي، حتى قبل أن يبدأ اجتماع التنسيق.

من منظور تقني، يبدو هذا فعالاً للغاية. ولكن من منظور التحكم في المشروع (Project Control)، فإنه يقدم خطراً جديداً.

إذا كان بإمكان وكلاء متعددين اقتراح التغييرات وتحسينها بالتوازي، فإن التحسينات المحلية يمكن أن تخلق عواقب متقاطعة التخصصات بسرعة تفوق قدرة الفريق على مراجعتها.

الخطر لا يكمن في أن الوكلاء مخطئون. الخطر هو أن كل وكيل يتخذ قراراً “منطقياً محلياً”، بينما ينحرف المسار العام للمشروع “عالمياً”.

تعاني فرق قطاع التشييد والبناء (AEC) بالفعل من هذا النمط في شكله البشري. وسيعمل وكلاء الذكاء الاصطناعي على تضخيم هذه المشكلة من خلال زيادة وتيرة وسرعة مقترحات التغيير بشكل هائل، بينما يقومون في الوقت نفسه بتحسين منطقهم دون وجود حواجز حماية (Guardrails) تتمحور حول الـ BIM، حيث يتطلب كل مشروع معايير ومحددات مختلفة.

لهذا السبب، لن يكون المستوى التالي من نضج البيم (BIM) مجرد أتمتة إضافية. بل سيكون حوكمة التغيير، لأن حواجز الحماية الحالية مُصممة للسرعة البشرية.


من الاكتشاف إلى بروتوكولات اتخاذ القرار

لا يحتاج القطاع فقط إلى أدوات ذكاء اصطناعي أفضل. بل يحتاج إلى بروتوكولات تحدد كيفية انتقال التغييرات المقترحة آلياً عبر سلسلة الصلاحيات في المشروع.

بروتوكول تأثير تغيير الوكيل (ACIP) ليس وكيلاً آخر. إنه دورة حياة لصنع القرار يجب أن يمر عبرها الوكلاء.

وهو يحدد:

  • ما يُعتبر تغييراً جوهرياً.
  • ما يجب محاكاته قبل الموافقة عليه.
  • الأدوار التي يجب عليها مراجعة تأثيرات معينة.
  • ما يمكن اعتماده تلقائياً (Auto-committed).
  • ما يجب تسجيله وتوثيقه لضمان المساءلة.

هذا الأمر بالغ الأهمية لأن الوكلاء يمكنهم المساعدة في التقييم، لكن يجب ألا يعيدوا تعريف المسؤوليات بصمت.

لا يزال المشروع بحاجة إلى حدود واضحة بين الاقتراح، المحاكاة، التوصية، الموافقة، والاعتماد النهائي.

بدون هذه الحدود، يصبح التنسيق مجرد سيل من التعديلات المُولدة آلياً مع إمكانية تتبع ضعيفة. أما بوجودها، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة فعالة دون التآكل في مستوى التحكم والسيطرة.


هيكل عملي لبروتوكول ACIP (الإصدار 0.1)

يمكن بناء بروتوكول أساسي من خمسة أجزاء:

1) طبقة السياسات (Policy Layer)

هذه هي الطبقة غير القابلة للتفاوض.

أمثلة: مساحات الخلوص الآمنة (Safety clearances)، متطلبات الكود، أسقف التكلفة، المناطق المحظورة، القيود التعاقدية، ومعايير الآيزو (ISO) المحلية.

الوظيفة: يمكن للوكلاء الرجوع إلى السياسة كمرجع، لكن لا يمكنهم تجاوزها.


2) طبقة العمليات (Process Layer)

تحدد هذه الطبقة دورة حياة التغيير المقترح.

نسخة مبسطة:

مسودة ← محاكاة ← تقييم التأثير ← التوجيه للموافقة ← قبول أو رفض ← اعتماد نهائي ← تسجيل القرار

الوظيفة: يضمن هذا التسلسل الاتساق حتى مع تغير ظروف المشروع.


3) خريطة الصلاحيات (Authority Map)

تقوم بربط فئات التغيير بأدوار الموافقة المختصة.

أمثلة: التغييرات في التخطيط المكاني (مدير قسم الكهروميكانيك MEP Lead)، التغييرات في الدعامات ونقاط التثبيت (المدير الإنشائي)، تأثير التكلفة فوق الحد المسموح (قسم التحكم في المشروع)، المناطق المجاورة لمناطق السلامة (مراجع السلامة أو استشاري الحريق).

الوظيفة: يظل البروتوكول ثابتاً عبر المشاريع، خريطة الصلاحيات وحدها هي التي تتغير وتتكيف.


4) تجميع التأثيرات (Impact Synthesis)

هنا يتم دمج مخرجات الوكلاء في ملخص واحد منظم:

  • التخصصات المتأثرة
  • التأثير المُقدر على التكلفة والجدول الزمني
  • تداعيات السلامة
  • مستوى الثقة والإجراء المُوصى به

الوظيفة: يقلل هذا من الاحتكاك ويحافظ على أن تكون القرارات مدروسة ومقصودة.


5) سجل القرارات (Decision Log)

يجب أن يترك كل تغيير (مقبول أو مرفوض) أثراً. نحن لا نسجل النتيجة فحسب، بل المبرر المنطقي وراءها:

  • ما الذي تغير ومن وافق عليه؟
  • ما هي التأثيرات التي تم قبولها؟
  • لماذا تم اختيار هذا الخيار المرجح؟
  • في أي إصدار من النموذج تم إدخال هذا التغيير؟

لا يتعلق الأمر هنا بالمعاملات الورقية، بل بتكوين “ذاكرة نظامية” متزايدة الأهمية.

لكي يتطور المشروع بأمان، يجب أن تكون مبرراته المنطقية دائمة وراسخة مثل هيكله المادي.


الجزء الأهم: متغيرات المشروع

لا ينبغي لأي بروتوكول أن يتبع نفس المعايير عبر جميع المشاريع. فالمستشفى، والمنشأة البحرية، والبرج الشاهق لا يحملون نفس مستوى المخاطر.

ستتغير الحدود القصوى (Thresholds):

  • هوامش تحمل التكلفة وحساسية الجدول الزمني
  • معايير تصعيد مشكلات السلامة
  • صلاحيات الاعتماد التلقائي وأدوار الموافقة حسب المرحلة
  • معايير الآيزو (ISO) المطبقة

قد تسمح دراسة في مرحلة التصميم باستقلالية أوسع للوكيل. بينما قد تتطلب حزمة المخططات التنفيذية (IFC) ضوابط أكثر صرامة. وقد تحتاج مرحلة التنسيق الموقعي إلى توجيه وتسجيل صارم لكل إزاحة مكانية.

وهذا هو بالضبط سبب فائدة وجود بروتوكول.

فهو يمنح الفرق هيكلاً مستقراً مع السماح بتطبيق معايير خاصة بكل مشروع. بعبارة أخرى، تظل دورة الحياة متسقة، بينما تتكيف الحدود وخريطة الصلاحيات.


لماذا يهم هذا الأمر فرق الـ BIM الآن؟

هذه ليست مشكلة مستقبلية. يتطور وكلاء الذكاء الاصطناعي في دورة تتراوح من أربعة إلى سبعة أشهر. بهذه السرعة، سيصل المستقبل قبل أن تبدأ مرحلة المشروع التالية.

لقد بدأ التحول بالفعل بأشكال أصغر: التصنيف الآلي للمشكلات، قواعد فحص النماذج المبرمجة، مساعدو التصميم، وأدوات التنبؤ بالجدول الزمني. كل قدرة جديدة تضيف طبقة أخرى من التأثير الآلي على قرارات المشروع.

إذا انتظر القطاع حتى يندمج الوكلاء بعمق في مسارات الإنتاج، فإن الحوكمة ستصل متأخرة وتحت ضغط هائل. لدى فرق قطاع الهندسة والتشييد (AEC) فرصة لتحديد هذه القواعد مبكراً، بينما لا تزال السلطة البشرية واضحة وتصميم العمليات لا يزال ممكناً.

الهدف ليس إبطاء تبني الذكاء الاصطناعي، بل منع الانحراف غير المتوقع في اتخاذ القرار (Decision drift).


تأملات ختامية

بدأت نمذجة معلومات البناء (BIM) كمشكلة هندسية (Geometry). ثم أصبحت مشكلة معلومات (Information). والمرحلة التالية هي مشكلة قرارات (Decision).

مع بدء وكلاء الذكاء الاصطناعي في المشاركة في التنسيق، سيحتاج القطاع إلى ما هو أكثر من مجرد أدوات ذكية. سيحتاج إلى قواعد واضحة حول كيفية دخول الذكاء إلى مسارات عمل المشروع، كيفية تقييم التأثير، وكيفية الحفاظ على الصلاحيات.

لن يكون تحدي التنسيق المستقبلي هو مجرد اكتشاف المزيد من التعارضات، بل إدارة وحوكمة المزيد من القرارات. إذا كانت هذه الحوكمة ضعيفة، فإن السرعة ستضاعف من حجم الفوضى. أما إذا كانت الحوكمة واضحة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح شريكاً حقيقياً وفعالاً في التنسيق.

هذا تحول ضروري يستحق التحضير له.


التفويض الأعظم: التسليم النهائي

الحقيقة غير المريحة هي أنه كلما زاد صقل وكلاء الذكاء الاصطناعي لمنطقهم، وأصبحت حواجز حماية المشروع الخاصة أكثر دقة، ستبدأ الحاجة إلى الإشراف البشري في التلاشي. في النهاية، سنصل إلى نقطة يكون فيها الوكلاء مقيدين بإحكام شديد بالبروتوكول لدرجة أنهم لن يحتاجوا بعد الآن إلى اعتماد بشري على كل خطوة. في تلك المرحلة، العنصر البشري لن يتحرك بشكل أسرع فحسب، بل سيتنحى جانباً بالكامل.

هذا هو التقدم المطلق في عصرنا: نحن لم نعد نبني الهياكل أو واقعنا المتصور فحسب؛ بل نحن نبني الذكاء الذي يبنيها.